خلال أربعة عشر عامًا من الأسر، تعلّم شاب يمني معنى الحب من رفيقه في الأسر ومن إغوانا.
ملاحظة المترجم — أقدّم لكم اليوم
جوهرة حقيقية، جديرة بأن تجد مكانها في أنطولوجيا لم تُنجز بعد، تُكرَّس لأشكال
المقاومة الإنسانية في وجه الأسر والسجن: من معتقلات موريتانيا وإيرلندا الشمالية
وفلسطين ومصر وبورما، إلى شتى أنواع الغولاغ، مهما اختلفت ألوانها.
- ف. ج./تلاكسكالا
منصور عدايفي، The New York Times، 27 يوليو/تموز 2018
حتى بلغت
الخامسة والثلاثين من عمري، كانت علاقتي بإغوانا أهم علاقة عشتها في حياتي كشخص
بالغ.
هنا، حيث قضيت
سنوات العشرين ونحو نصف الثلاثين من عمري، لم يكن متاحًا لي أن ألتقي أحدًا. إنه
معتقل القاعدة البحرية بخليج غوانتانامو في كوبا.
حتى حين كنا
نخرج إلى الفسحة، لم يكن مسموحًا لنا أن نتحدث مع المعتقلين الآخرين. لكن في
الخارج، كنا نتعرّف إلى أصدقاء جدد: القطط، وجرذان الموز، والطيور الصغيرة،
والإغوانات التي كانت تتسلل من بين الأسلاك وتطلب نصيبها من وجباتنا.
لم تكن تستطيع
أن تردّ عليّ، لكنها كانت مستمعة جيدة. ومع مرور السنوات، تحولت صداقتنا إلى رابطة
قوية.
وأخيرًا، بعد
سبع سنوات من العزل، نُقلت إلى عنبر جماعي أستطيع فيه التحدث مع رفاقي المعتقلين.
وُلدت في قرية
صغيرة جدًا في جبال اليمن، ولم أكن قد تجاوزت التاسعة عشرة حين جئت إلى
غوانتانامو. لم أكن أعرف الكثير عن العالم؛ كان العالم بالنسبة إليّ هو قريتي.
والآن صار عالمي هو غوانتانامو.
حتى بلغت الثانية عشرة، كنت أظن أنني وُلدت من ركبة أمي. في المدرسة عرفت من أين يأتي الأطفال فعلًا، لكن في مجتمعي لم تكن هناك مواعدة بين الشبان والفتيات، فظلّت معرفتي نظرية. وكان حال أغلبنا كذلك. قلة قليلة منا سبق لها الزواج أو كانت تعرف الكثير عن العلاقة بين الرجال والنساء.
ومع ذلك، كان
الحديث عن النساء موضوعنا المفضّل. ليس بطريقة سيئة؛ فنحن كمسلمين لا يجوز لنا أن
نتحدث عن النساء بسوء. لكننا كنا نتحدث عنهن لأن ذلك كان يخفف عنا. عندما يحكي أحد
قصة عن امرأة، كنا نصغي جميعًا. وبينما نحن محاطون بالرجال، كنا نتخيّل أننا نحب
نساءً.
ولم نكن وحدنا
نفتقد النساء؛ الحراس الرجال كانوا يفتقدونهن أيضًا. أما الحارسات فكنّ قليلات
جدًا.
لاحظ أحد
المعتقلين الأكبر سنًا، وكان متزوجًا، أن العزّاب بيننا متلهفون لمعرفة المزيد عن
النساء، فقرر أن يعلّمنا. كنا ننظم دروسًا، ويتعلم بعضنا من بعض كل شيء يمكن
تعليمه.
مثلًا، كان أحد
المعتقلين، وكان طباخًا قبل السجن، يعطينا دروسًا في الطبخ. كان يقول: «الآن سأضع
البصل في الزيت الساخن — ششش ششش»، مقلّدًا صوت البصل وهو يُقلى، ونحن نعرف طبعًا
أنه لا بصل لدينا، ولا زيت، ولا حتى موقد.
وكان يواصل
لعبته، فيطلب من التلاميذ أن يتذوقوا الطبق ليحكموا إن كان يحتاج إلى مزيد من
الملح، أو ليتأكدوا مما إذا كان اللحم قد نضج بما يكفي. كنا نتذوق في خيالنا
طعامًا لم يكن موجودًا، ونضيف إليه ملحًا لا وجود له، ونتفقد نضج لحم لم نره قط.
لم أحب ذلك
الدرس. كان يزيد جوعي.
في اليوم الأول
من درس الزواج، طلب منا أستاذنا أن يبدي كل واحد منا رأيه في كيفية تعامل الرجال
مع النساء. عندها
سألنا الأستاذ: «لو كنتَ امرأة، فماذا كنت ستجيب عن سؤالي؟ وكيف كنت تريد أن
يعاملك الرجال؟»
في البداية، غلبنا الضحك ونحن نتخيّل بعضنا بعضًا في هيئة نساء.
صاح أحد
المعتقلين: «انظروا إلى منصور! الشعر يغطي جسده كله! لو كنتُ امرأة، لنفر منك
الرجال.»
وقال آخر: «لو
كنتُ امرأة، لجعلتكم جميعًا، بوجوهكم القبيحة، تحلمون بي وتبكون من أجلي وتنفقون
أموالكم عليّ، ولن أسمح لواحد منكم حتى بأن يمسّ شعرة مني.»
تركنا أستاذنا
نلهو قليلًا، ثم قال: «والآن، أجبن عن سؤالي يا سيدات!»
قلت: «إذا كنت
سأختار إنسانة ترافقني بقية حياتي، فسأريد زوجة تكون أفضل مني.»
حاول أحد
الحاضرين إحراجي، فقال: «يعني أنك ستترك زوجتك تحكمك؟ وهل سيصبح الرجال مثل
الحمير، يخدمون النساء؟»
فأجبته بأن
الرجال اعتُبروا، على مرّ التاريخ، أفضل من النساء. «لكن انظروا إلى أين أوصلنا
ذلك. حرب تلو حرب، ولا نهاية للحروب. الرجال لا يهبون الحياة لروح واحدة؛ إنهم لا
يفعلون سوى إزهاق الأرواح.»
وقلت إننا
جميعًا، مذنبين كنا أم أبرياء، نجلس هنا في غوانتانامو ونتحدث عن الزواج بدلًا من
أن نعيشه، بسبب ما فعله الرجال.
وختمت قائلًا
إننا جميعًا نعرف أن حياتنا تكون أكثر هدوءًا حين تتولى امرأة قيادة الحراس. أما
حين يكون القائد رجلًا، فكنا نكون أكثر عرضة لسوء المعاملة.
قال أحد
المعتقلين ضاحكًا: «منصور منحاز إلى النساء.»
وقال آخر: «لو
كنتُ امرأة، لتزوجتك!»
ومع توالي دروس
الزواج، أخذ أستاذنا يعلّمنا معنى أن نحب وأن نكون محبوبين. كان يصف لنا ما سنشعر
به حين نرى المرأة التي نحبها ونتحدث إليها، ويشرح لنا كيف ينبغي أن نتصرف يوم
الخطوبة.
ثم خصصنا درسًا
كاملًا لأعظم يوم في حياتنا: يوم العرس. تظاهرنا بأن أحد التلاميذ سيتزوج، وأقمنا
عرسًا يمنيًا تقليديًا. غنّينا ورقصنا كما لو أن الزواج كان حقيقة، لا مجرد درس
داخل غوانتانامو.
لم أقع في الحب
قط، لكنني صرت أشعر بحلاوته. ومثل درس الطبخ، كان درس الزواج يجعلني أكثر جوعًا.
ندمت لأنني لم أتزوج قبل أن آتي إلى غوانتانامو. كنت أشعر أن جزءًا مني ناقص، وأن
هذا الجزء هو زوجة وعائلة.
لفترة من الزمن،
كانت عندي في الزنزانة صورة لابنة صديق عمرها عشر سنوات. صنعت لها إطارًا من قطع
الكرتون وزينته بالزهور، وعلقت الصورة على الحائط. وكلما دخل زوار إلى زنزانتي،
كنت أقول لهم إنها ابنتي.
وحين كانوا
يستغربون كيف تكون لي ابنة شقراء ويبدؤون في طرح أسئلة عن أمها، كنت أقول إنني لم
ألتقِ أمها قط، لكن عندي ابنة على أي حال. أعطيتها اسمًا عربيًا: أمل، أي الرجاء.
في ليلة من
الليالي، دخل الحراس ورشّونا برذاذ الفلفل ومزقوا كل ما في زنازيننا. ورموا «أملي»
في القمامة.
كان بإمكاني أن
أتوقف عن حضور دروس الزواج، وأن أتوقف عن الحلم بالحب. لكنني أدركت أن الشيء
الوحيد الذي قد يكون أقسى من حياة بلا حب، هو حياة بلا ألم. فالألم، على قسوته،
يخبرنا أننا ما زلنا أحياء، وأن في داخلنا شيئًا لا يزال قادرًا على الإحساس.
أحيانًا يشبه
الألم الحب. ولأنني كنت قادرًا على تخيّل الحب، بقي عندي أمل حتى من دون الصورة.
وبعد سنوات
طويلة لم أكن أستطيع خلالها التحدث مع عائلتي، سُمح لي أخيرًا بمكالمتهم. صار
الحديث عن احتمال ترتيب زواج لي، وراودتني رغبة في التمسك بهذا الأمل. لكننا كنا
قد ناقشنا في درس الزواج مشكلة الزواج القسري في بعض البلدان. فكرة أن تُباع
الفتيات مثل الخرفان كانت تؤلمني. لذلك رفضت إمكانية مثل هذا الترتيب.
في آخر يوم من
درس الزواج، قال لنا أستاذنا إن علينا دائمًا أن نتذكر كيف أجبنا عن سؤاله الأول:
كيف ينبغي للرجال أن يعاملوا النساء.
كانت إجاباتنا
جميعًا قد تغيّرت. وكان قد أوصل فكرته. وتمنى لنا زيجات سعيدة وحياة طيبة فيها حب.
في عام 2016،
وبعد أكثر من 14 سنة من الاعتقال، أُفرج عني من غوانتانامو. لكن لم يُسمح لي
بالعودة إلى بلدي اليمن. بدل ذلك، أعيش في صربيا. أنا وحيد. لم أجد بعد امرأة تكون
صديقتي وزوجتي وتعلّمني فن الحب. وحتى الإغوانا فارقتني.
منصور الضيفي كاتب وفنان ومدافع يمني عن حقوق
الإنسان، وُلد في قرية جبلية باليمن. عمل في شبابه راعياً ثم حارساً، قبل أن ينتقل
إلى صنعاء لدراسة علوم الحاسوب، ثم يسافر إلى أفغانستان في مهمة بحثية وهو في سن
الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة.
بعد فترة وجيزة من هجمات 11 سبتمبر،
اختطفه مقاتلون أفغان تابعون للجنرال دوستم، ثم باعوه للقوات الأميركية، قبل أن
يُنقل إلى معتقل غوانتانامو، حيث ظل محتجزاً من دون توجيه تهمة إليه ومن دون
محاكمة بين عامي 2002 و2016، أي لأكثر من أربعة عشر عاماً، تحت رقم الاعتقال
«السجين 441». وخلال فترة احتجازه خاض عدة إضرابات عن الطعام، كما تعلّم اللغة
الإنجليزية بنفسه.
أُفرج عنه سنة 2016 ونُقل إلى صربيا
في إطار اتفاق ثنائي مع الولايات المتحدة، ليجد نفسه بحكم الأمر الواقع عديم
الجنسية، بعدما امتنعت صنعاء لفترة عن تسليمه جواز سفره، قبل أن يُعاد إليه سنة
2023. وفي سنة 2021 حصل على شهادة جامعية في إدارة الأعمال، وكان بحث تخرجه حول
إعادة إدماج المعتقلين السابقين في غوانتانامو منطلقاً لتأسيس Guantanamo
Survivors Fund،
الذي شارك في تأسيسه.
وفي سنة 2021 نشر مذكراته بعنوان Don’t Forget Us
Here: Lost and Found at Guantánamo عن
دار Hachette، ونال عنها جائزة Evelyn Shakir للأعمال غير الروائية سنة 2022. ثم أصدر سنة 2024 الكتاب
الصوتي Letters from
Guantanamo.
يعمل منصور الضيفي اليوم منسقاً لبرنامج غوانتانامو في منظمة CAGE International غير الحكومية، كما يشغل صفة باحث زائر (Visiting Fellow) في مركز حقوق الإنسان بكلية الحقوق في جامعة مينيسوتا، الذي تديره فيونوالا ني أولين، المقررة الخاصة السابقة للأمم المتحدة المعنية بمكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان. ويقيم حالياً في بلغراد.


